ابن قيم الجوزية

678

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ومن هذا ما يحكى عن الشبلي : أنه لما مات ابنه دخل الحمام ونوّر لحيته ، حتى أذهب شعرها كله . فكل من أتاه معزيا ، قال : إيش هذا يا أبا بكر ؟ قال : وافقت أهلي في قطع شعورهم . فقال له بعض أصحابه : أخبرني لم فعلت هذا ؟ فقال : علمت أنهم يعزونني على الغفلة . ويقولون : آجرك اللّه . ففديت ذكرهم للّه على الغفلة بلحيتي . فانظر إلى هذه الغيرة المحرمة القبيحة ، التي تضمنت أنواعا من المحرمات : حلق الشعر عند المصيبة ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ليس منا من حلق وسلق وخرق » أي حلق شعره ، ورفع صوته بالندب والنياحة وخرق ثيابه . ومنها : حلق اللحية ، وقد أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإعفائها وتوفيرها . ومنها : منع إخوانه من تعزيته ونيل ثوابها . ومنها : كراهته لجريان ذكر اللّه على ألسنتهم بالغفلة . وذلك خير بلا شك من ترك ذكره « 1 » . فغاية صاحب هذا : أن تغفر له هذه الذنوب ويعفى عنه « 2 » . وأما أن يعد ذلك في مناقبه ، وفي الغيرة المحمودة : فسبحانك هذا بهتان عظيم . ومن هذا : ما ذكر عن أبي الحسين النوري : أنه سمع رجلا يؤذن . فقال : طعنة وسمّ الموت . وسمع كلبا ينبح ، فقال : لبيك وسعديك . فقالوا له : هذا ترك للدين . وصدقوا واللّه ، يقول للمؤذن في تشهده : طعنه وسم الموت . ويلبي نباح الكلب ؟ . فقال : أما ذاك فكان يذكر اللّه عن رأس الغفلة . وأما الكلب : فقد قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] . فيا للّه ! ! ماذا ترى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يواجه هذا القائل لو رآه يقول ذلك أو عمر بن الخطاب ، أو من عدّ ذلك في المناقب والمحاسن ؟ ! . وسمع الشبلي رجلا يقول : جلّ اللّه . فقال : أحب أن تجله عن هذا . وأذّن مرة . فلما بلغ الشهادتين ، قال : لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك . وقال بعض الجهال من القوم « لا إله إلا اللّه » من أصل القلب ، و « محمد رسول اللّه » من القرط . ونحن نقول : محمد رسول اللّه ، من تمام قول لا إله إلا اللّه . فالكلمتان يخرجان من أصل القلب ، من مشكاة واحدة . لا تتم إحداهما إلا بالأخرى « 3 » .

--> ( 1 ) ومنها : أن أهله كانوا على الجاهلية الجهلاء ، وهو دليل على أنه كان مضيعا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . بل كان من أشد الدعاة إلى المنكر والنهي عن المعروف . وهو من أئمتهم . وممن أكثروا الاستشهاد بكلامه . ( 2 ) سبحان اللّه وتعالى عن سوء ظن هؤلاء به . سبحانه سبحانه . ومهما اعتذر المعتذرون وتمحل المتمحلون . فاللّه وحده هو الحسيب الرقيب الشهيد الذي لا يترك مثقال ذرة من خير ولا شر . ولو رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو عمر لقطع رأسه وألحقه بأبي جهل . ( 3 ) جزاك اللّه خير الجزاء يا ناصر الحق وقامع البدع والأهواء هنا ! أليس هؤلاء وأمثالهم هم أئمة الصوفية المقتدى بهم ، المحتج بكلامهم ؟